محمد بن جرير الطبري
236
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهم قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء معناهما واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقد يجوز أن يكون الذي قرأه بالرفع ، أراد معنى من خفض في اتباع الكلام بعضه بعضا ، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله ، كما قال جل ثناؤه : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم . . . إلى آخر الآية ، ثم قال : التائبون العابدون . ومعنى قوله : الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض الله الذي يملك جميع ما في السماوات وما في الأرض يقول لنبيه محمد ( ص ) : أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته ، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا من الآلهة والأوثان . ثم توعد جل ثناؤه من كفر به ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له ، فقال : وويل للكافرين من عذاب شديد يقول : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم ، لمن جحد وحدانيته وعبد معه غيره ، من عذاب الله الشديد . القول في تأويل قوله تعالى : ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد ) يعني جل ثناؤه بقوله : الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعهم ومعاصي الله فيها على طاعة الله وما يقربهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرة . ويصدون عن سبيل الله يقول : ويمنعون من أراد الايمان بالله واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الايمان به واتباعه . ويبغونها عوجا يقول : ويلتمسون سبيل الله ، وهي دينه الذي ابتعث به رسوله . عوجا : تحريفا وتبديلا بالكذب والزور . والعوج بكسر العين وفتح الواو في الدين والأرض وكل ما لم يكن قائما ، فأما في كل ما كان قائما كالحائط والرمح والسن فإنه يقال بفتح العين والواو جميعا عوج يقول الله عز ذكره : أولئك في ضلال بعيد يعني : هؤلاء الكافرين الذي يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، يقول : هم في ذهاب عن الحق بعيد ، وأخذ على غير هدى ، وجور عن قصد السبيل .